علاج المخططات المعرفية
علاج المخططات المعرفية:
يُعدّ علاج المخططات (ST) نهجًا تكامليًا يجمع بين مكوّنات العلاجات التجريبية، والعلاج الجشطالتي، ونظريات التعلق والعلاقة بالآخر، إضافةً إلى العلاج السلوكي المعرفي. ومنذ أن قدّمه جيفري يونغ عام 1990، خضع هذا النهج لتطوير وتحسين مستمرين. يُعدّ علاج المخططات أحد الأساليب التي يُنظر إليها باعتبارها فعّالة في فهم اضطرابات الشخصية وعلاجها. وقد أشار كل من جاكوب وأرنتس (2013)، ورافائيلي وبرنشتاين ويونغ (2011) إلى بعض الخصائص المميزة لهذا النهج العلاجي.
بالمقارنة مع العلاج السلوكي المعرفي التقليدي، يُولي علاج المخططات اهتمامًا أكبر بتطور الأعراض الحالية، كما يركز بشكل أساسي على التحالف العلاجي ودوره في إحداث تأثير تصحيحي لدى المريض. ويهدف هذا النهج العلاجي إلى مساعدة المرضى على التعرّف على احتياجاتهم العاطفية الأساسية وتلبيتها بطريقة مناسبة. من خلال استخدام استراتيجيات تجريبية تهدف إلى تعديل المشاعر السلبية المرتبطة بتجارب الطفولة المؤلمة، يُركز علاج المخططات بشكل كبير على معالجة ذكريات تلك التجارب بفاعلية.
المفاهيم الأساسية لعلاج المخططات:
الاحتياجات النفسية الأساسية غير المسددة:
يمتلك الأطفال احتياجات عاطفية أساسية، مثل الشعور بالأمان، وتنمية الكفاءة والاستقلالية، ووضع حدود واضحة، والاستمتاع باللعب، وهي جميعها ضرورية لضمان نموهم النفسي السليم. وفي حال عدم تلبية هذه الاحتياجات، قد يلجأ الأطفال إلى تطوير مخططات غير تكيفية وآليات مسايرة للتعامل مع هذه المتطلبات غير المشبعة بشكل غير صحي.
١- الأمان والتعلق
يشير الشعور بالأمان إلى الإحساس بالراحة والحماية والمحبة من قِبل الآخرين، بينما يرتبط التعلق بمشاعر القبول والاحترام والانتماء إلى الأسرة أو المجتمع، مما يرسّخ لدى الطفل شعورًا بالاستقرار العاطفي والاجتماعي.
٢- الكفاءة والاستقلالية
تتجسد هذه الحاجة في دعم الطفل منذ سن مبكرة ليتمكن من تنمية مهارات الاستقلالية والاعتماد على الذات، مما يعزز قدرته على إدارة شؤونه الخاصة بالتناسب مع نضجه الجسدي وإدراكه الذاتي.
٣- حرية التعبير عن الذات
تتضمن هذه الحاجة تمكين الطفل من التعبير بحرية عن أفكاره ومشاعره الداخلية، مع منحه فرصة التفكير المستقل واتخاذ قراراته دون الخوف من العواقب السلبية.
٤- وقت اللعب والترفيه
يُعد اللعب عنصرًا أساسيًا في حياة الطفل، حيث يمنحه فرصة لاستكشاف العالم من حوله. ولا يقتصر مفهوم اللعب على الأنشطة التقليدية فحسب، بل يشمل التجربة والاستكشاف الذي قد يحاول بعض مقدمي الرعاية الحدّ منه لتجنب الفوضى أو الأضرار المادية.
٥- الحدود الصحية
يشمل هذا المفهوم تعليم الطفل أهمية احترام الخصوصية الشخصية وفهم أن جسده وممتلكاته تخضع لحدود معينة، تنطبق عليه كما تنطبق على الآخرين.
المخططات غير التكيفية المبكرة:
تمثل المخططات غير التكيفية المبكرة أنماطًا معرفية سلبية متجذرة في البناء النفسي للفرد، وتشمل المشاعر والأفكار والسلوكيات والمعتقدات والذكريات غير السوية. وقد تم تحديد ثمانية عشر مخططًا رئيسيًا ينشأ نتيجة لهذه الانحرافات، وهي:
١- الهجر وعدم الاستقرار
ينطوي هذا المخطط على الاعتقاد بأن العلاقات في حياة الشخص غير مستقرة، مما يرسّخ لديه قناعة بأنه سيُترك وحيدًا في النهاية، فينتج عن ذلك مشاعر الفقدان، والعزلة، والقلق الدائم من التخلي.
٢- الحرمان العاطفي
يشير هذا المخطط إلى الإيمان بعدم وجود حب غير مشروط أو استحالة الحصول عليه، مما يولد لدى الأفراد مشاعر الحزن والضعف والهشاشة والاحتياج العاطفي المستمر.
٣- الخزي والدونية
يتمحور هذا المخطط حول الاعتقاد بأن الشخص غير مستحق أو معيب في جوهره، بغض النظر عن أي مجهود يبذله للتعويض عن ذلك، مما يجعله يشعر بالذنب المستمر والإذلال الذاتي.
٤- العزلة الاجتماعية والاغتراب
يعكس هذا المخطط قناعة الفرد بأنه مختلف عن الآخرين ولا ينتمي إلى أي جماعة اجتماعية أو منظمة، مما يعزز لديه الشعور بالغربة الاجتماعية.
٥- فقدان الثقة وتوقع الاستغلال
يؤدي هذا المخطط إلى توقع الفرد تعرضه للخيانة أو الاستغلال أو الإساءة من قبل الآخرين، مما يجعله يعاني من صعوبة في الثقة بالمجتمع أو المؤسسات أو الأشخاص من حوله.
٦- الفشل
على عكس مخطط الدونية، يتمثل هذا المخطط في اقتناع الفرد بأنه عاجز عن تحقيق النجاح مهما بذل من جهد، مما يدفعه إلى الشعور بالعجز والتقليل من قدراته.
٧- الاعتمادية أو نقص الكفاءة
يعكس هذا المخطط اعتقاد الشخص بأنه غير قادر على تدبير أمور حياته بمفرده، مما يجعله يعتمد بشكل مفرط على الآخرين لتلبية احتياجاته اليومية.
٨- الاستحقاق والعظمة
يتميز هذا المخطط بالشعور بالتفوق على الآخرين، مع تجاهل احتياجاتهم وحقوقهم، مما يؤدي إلى توقع معاملة خاصة دون تقديم مجهود يتناسب مع ذلك.
٩- ضعف الضبط الذاتي
يتجسد هذا المخطط في الشعور بعدم القدرة على التحكم في المشاعر أو التصرفات، مما يدفع الأفراد إلى التصرف باندفاعية دون مراعاة العواقب.
١٠- الخضوع
يرتبط هذا المخطط بالاعتقاد بأن القبول الاجتماعي يتطلب تقديم احتياجات الآخرين على الاحتياجات الشخصية، مما يؤدي إلى قمع الذات وإرضاء الآخرين على حساب الراحة النفسية.
١١- الاستهداف للتعرض للأذى
يؤدي هذا المخطط إلى قناعة الفرد بأنه معرض حتمًا للألم الجسدي أو النفسي أو العاطفي، مما يجعله يعيش في حالة دائمة من القلق والترقب.
١٢- المعايير الصارمة
يستلزم هذا المخطط اتباع توقعات عالية غير واقعية من النفس، حيث يسعى الفرد إلى الكمال دون تقبل أي أخطاء أو نواقص، مما قد يسبب له ضغطًا نفسيًا مستمرًا.
١٣- القسوة المفرطة
ينطوي هذا المخطط على الاعتقاد بأن الأخطاء يجب أن تعاقب بشدة، سواء من قبل الآخرين أو من الذات، مما يؤدي إلى الشعور المستمر بالخوف من الفشل والعقاب.
١٤- السلبية والتشاؤم
يعكس هذا المخطط الميل إلى التركيز على الجوانب السلبية في الحياة، مع تبني نظرة متشائمة تفترض أن الأمور ستؤول إلى الأسوأ دائمًا.
١٥- الكفّ الوجداني
يتجسد هذا المخطط في قناعة الشخص بأن التعبير عن المشاعر ضعف يجب تجنبه، مما يؤدي إلى كبت المشاعر خوفًا من النقد أو الإحراج.
١٦- السعي للكمال والمعايير الصارمة
يتسم هذا المخطط برغبة الفرد في تحقيق معايير عالية جدًا دون قبول أي تهاون أو تقصير، مما يسبب له ضغطًا نفسيًا كبيرًا.
١٧- طلب التأييد والاستحسان
يشير هذا المخطط إلى حاجة الفرد الدائمة للحصول على موافقة الآخرين وتأييدهم من أجل الشعور بالقيمة والاستحقاق.
١٨- التضحية بالنفس
يعكس هذا المخطط ميلاً إلى إيثار الآخرين على الذات، حيث يعتقد الفرد أن تلبية رغبات الآخرين تأتي على حساب راحته الشخصية، بهدف تجنب النزاعات وكسب القبول الاجتماعي.
ختامًا: يمثل فهم هذه المخططات غير التكيفية خطوة أساسية في تحديد المشكلات العاطفية والنفسية التي يواجهها الأفراد، مما يسهم في تطوير استراتيجيات علاجية فعالة تهدف إلى تعزيز التكيف الصحي والرفاه النفسي.

أنماط المخططات النفسية:
أولًا: أنماط الطفل الداخلي
تتعدد أنماط الطفل وفقًا لطبيعة استجابته للعوامل البيئية التي نشأ فيها، ويمكن تصنيفها كما يلي:
١- نمط الطفل الضعيف:(يشعر الطفل الضعيف بالوحدة ويعتقد أن الآخرين يسعون إلى إيذائه، كما يرى أن العالم من حوله يشكل تهديدًا مستمرًا له، وأنه لن يجد من يلبي احتياجاته العاطفية. يظهر هذا النمط عادةً لدى الأطفال الذين تعرضوا للإهمال، أو سوء المعاملة، أو الإذلال، أو الاعتماد المفرط على الآخرين، أو الخوف).
٢- نمط الطفل الغاضب (يتميز هذا النمط بالشعور الدائم بالغضب والإحباط نتيجة عدم تلبية الاحتياجات الأساسية، مما يدفع الطفل إلى إظهار سلوكيات حادة عند الشعور بالغضب).
٣- نمط الطفل الثائر (يعاني من محفزات مماثلة للطفل الغاضب، لكنه يظهر سلوكيات عنيفة وغير قابلة للسيطرة، مثل الإيذاء الجسدي للآخرين أو تخريب الممتلكات).
٤- نمط الطفل المندفع (يتسم الطفل المندفع بعدم الصبر والسعي وراء تحقيق رغباته بتهور وأنانية، كما يتصرف دون التفكير في العواقب.)
٥- نمط الطفل غير المنضبط (يفتقر إلى القدرة على تحمل الإحباط أو إتمام المهام الروتينية، ويجد صعوبة في ضبط نفسه عند مواجهة الألم أو التوتر، مما يجعله يتصرف كطفل مدلل).
٦- نمط الطفل السعيد (يشعر بالأمان والرضا والمحبة، ويتميز بالكفاءة والاستقلالية، مع قدرة على ضبط النفس والاستمتاع باللعب بروح المغامرة والتفاؤل، مع سرعة التكيف مع المواقف المختلفة).
ثانيًا: أنماط الوالدية – السلطة المختلة
تشير أنماط الوالدية او السلطة المختلة إلى الأساليب السلبية التي يعتمدها الآباء في التعامل مع أبنائهم، والتي تظهر في صورة معتقدات وتوجهات وأفكار المريض التي يفسر بها المواقف الحياتية ومن أبرزها:
١- نمط الوالد القاسي الناقد (يتميز بالقسوة والحكم القاسي على النفس والآخرين، حيث يرى أن الجميع يجب أن يتحملوا المسؤولية عن أخطائهم دون استثناء).
٢- نمط الوالد المتطلب (يتبنى معايير ومبادئ صارمة، ويطالب نفسه والآخرين بالالتزام بها. يسعى لتحقيق الكمال في جميع الأمور، وغالبًا ما يشعر بعدم الرضا عن النتائج، مما يدفعه إلى العمل بجهد أكبر. يمارس الضغوط من خلال التوجيه المستمر والمطالبة بالتصرف وفق الأخلاق الرفيعة والمُثل العليا، متأثرًا بالبيئة الاجتماعية والقيم العائلية).
٣- نمط الوالد المستجلب للذنب (يتبنى دور الضحية، ويرسل رسائل متكررة تحمل اللوم والعار. يطالب ابنه بتقديم التضحيات الدائمة بحجة أن والدته هي الشخص الوحيد الذي أحبه في حياته، مما يجعله يشعر بالذنب عند التفكير في نفسه).
ثالثًا: أنماط التكيف غير التوافقية
تعتمد هذه الأنماط على استجابة الأفراد بشكل سلبي تجاه المخططات النفسية، وتشمل:
١- انماط الاستسلام (يستسلم الشخص للمخطط ويعدل عواطفه وأفكاره وفقًا له، مما يجعله يعاني من نفس المعاناة دون محاولة تغييرها، ويشمل الاستسلام الرضائي والذي يتميز بالسعي الدائم لإرضاء الآخرين والتكيف معهم، حيث يعتذر بسهولة حتى عندما يكون على حق، و نمط استسلام المنقذ والذي يتميز بأنه يتعاطف مع المحرومين ويبذل جهدًا كبيرًا في دعم الآخرين دون توقع مقابل، وكذلك نمط الاستسلام العاجز والذي يجعل من صاحبة يعاني من العجز المكتسب، غير قادر على اتخاذ القرارات أو حل المشكلات الصعبة، وأخيرا نمط الاستسلام للشفقة على الذات والذي يتبنى دور الضحية، ويعيش في حالة من الغضب تجاه الحياة، ويبحث باستمرار عن تعاطف الآخرين).
٢- انماط التجنب (و تعتمد أنماط المواجهة التجنبية على الهروب من مواجهة المشاعر أو التجارب التي تحفز المخططات النفسية، وتشمل نمط المتباعد ويسعى صاحبة إلى تجنب أي موقف قد يضعه في علاقات أو يعرضه للمعاناة العاطفية، ويفضل العزلة لحماية نفسه من الأذى المحتمل، ونمط المحتمي بفصل المشاعر وفيه يتجنب الفرد الشعور بالمشاعر رغم وجوده في علاقات اجتماعية، إذ يتعلم أن يكون باردًا عاطفيًا لحماية نفسه من الأذى الوجداني، وأخيرا نمط الإلهاء او الادمانات المتعددة وفيه يعتمد الفرد على ممارسة سلوكيات قهرية أو إدمانيه لصرف انتباهه عن المشاعر السلبية، مثل الإفراط في تناول الطعام، أو الشرب المفرط، أو الانغماس في ألعاب الفيديو، أو الإدمان على المخدرات، أو الدخول في علاقات غير صحية).
٣- أنماط الإفراط في التعويض (و تعتمد هذه الأنماط على التصرف بعكس المخطط لمحاولة مواجهته، مما يؤدي إلى التقليل من تأثيره، ومن أبرزها: نمط التحكم الزائد حيث يسعى الفرد إلى فرض السيطرة المطلقة على المواقف من خلال التهديد، أو الغضب، أو النقد المستمر، و نمط التنمر والهجوم وفيه يستخدم الفرد القوة والعدوانية والترهيب لتحقيق أهدافه، ويتمتع بإيذاء الآخرين بطريقة سادية، مع طموح دائم للسيطرة، ونمط الخداع والتلاعب و يعتمد على الاحتيال والتلاعب لتحقيق مكاسبه، حتى لو أدى ذلك إلى إيذاء الآخرين أو تجنب العقاب، ونمط الهجوم الشرس حيث يتعامل الفرد مع أي تحدي يواجه بمعاقبة المنافسين بأسلوب قاسٍ لا يرحم، مع اتخاذ قرارات محسوبة لتحقيق أهدافه، و نمط المبالغة في تعظيم الذات حيث يشعر بأنه يتمتع بامتيازات خاصة تفوق الآخرين، ويعتقد أنه يستحق كل ما يرغب فيه دون مراعاة آراء الآخرين، كما يميل إلى التفاخر والتقليل من شأن الآخرين لتعزيز ثقته بنفسه.واخيرا نمط طلب الموافقة وفيه يسعى الفرد بشكل مبالغ فيه لجذب اهتمام الآخرين واستحسانهم، من خلال السلوك المفرط، أو الهوس بالمظهر، أو العظمة. كما يحاول كسب الآخرين عبر تلبية طلباتهم وإرضائهم بشكل مفرط، لتجنب انتقادهم أو إثارة غضبهم).
الخاتمة: تعكس هذه الأنماط المختلفة استجابات الأفراد للمخططات النفسية التي تشكلت في مراحل الطفولة المبكرة. ويساعد التعرف عليها في فهم السلوكيات غير التكيفية وتطوير استراتيجيات علاجية تهدف إلى تعزيز الصحة النفسية وتحقيق التوازن العاطفي.

